الشيخ محمد حسين الحائري

327

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

غير متعين بل مناف لظاهر الفعل بل ظاهر المعنى والله أعلم أنه تعالى لو شاء إيمانهم باختيارهم وذلك بأن أوجد فيهم دواعي الايمان ويسلب عنهم الملكات والأحوال الداعية لهم إلى الكفر والطغيان لامنوا وإنما لم يشأ ذلك في حقهم لعدم استعداداتهم وانتفاء أهليتهم فتركهم على الملكات والأحوال اللاحقة بحالهم فآثروا الكفر والشقاء واستحبوا العمى على الهدى ومن هذا الباب ما ورد من أنه تعالى أمر إبليس بالسجود وشاء أن لا يسجد ولو شاء أن يسجد لسجد ونهى آدم عليه السلام عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل ولو شاء أن لا يأكل لما أكل وأما الاعتذار الذي حكاه تعالى عن الكفار في قوله سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ وفي قوله قال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ الآية فقد اتضح مما حققناه أنه مقالة فاسدة ومعذرة داحضة كما أشير إليه في ذيل الآية لأنهم إن زعموا أنهم مجبورون على الشرك والعصيان عند مشيته تعالى ذلك في حقهم أو على ترك الطاعة والايمان عند عدم مشيته تعالى ذلك منهم فجوابه واضح مما مر فإن المشية إنما قضت بصدور ذلك منهم بطريق الاختيار فكيف يصدر منهم بطريق الاضطرار لمخالفته لمقتضاها بل أثر المشية في الأفعال الاختيارية إنما هو إمضاء ما تقتضيه الذوات بإحداث أسبابه ومقدماته اللائقة به الغير المنافية للاختيار كما أشير إليه في قوله تعالى وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإن زعموا أن المشية لما قضت بصدور الشرك وشبهه منهم ولو بالاختيار فلا اعتراض عليهم في ذلك أو لا يكون تركه مطلوبا منهم ففيه أن الضرورة قاضية بأن من يصدر عنه القبائح بالاختيار يستحق بذلك الذم والعقاب ولا ينافيه وجوب الصدور عنه بحسب ما فيه من الدواعي بعد تمكنه واختياره واستناد الوجوب إليه ولا منافاة بين مشيته تعالى لصدور الشرك منهم وبين نهيه تعالى إياهم عنه فإن مرجع الأول إلى إحداث المقدمات المفضية إلى صدور الشرك منهم بالاختيار على حسب ما لهم من الاستعداد كما هو قضية حكمته في الصنع والثاني إلى بيان حكم الشرك عنده من المكروهية وعدم الرضا به كما هو قضية حكمته في الحكم وأما الجواب عن الوجه الثاني فبما مر من الأجوبة الثلاثة المتقدمة من أنه شبهة في مقابلة الضرورة فلا يلتفت إليه وأنه ينافي وقوع التكليف وما يتبعه المعلوم بالاتفاق وأنه منقوض بأفعاله تعالى لعلمه بها كعلمه بأفعالنا فيلزم أن لا يكون مختارا فيها وهو باطل بالاتفاق مضافا إلى جواب رابع به تنحل الشبهة وتقريره أن قضية العلم انكشاف الواقع للعالم لا التأثير في وقوعه ومما يوضح ذلك أنا لو فرضنا وجود فاعل يصدر عنه أفعاله باختياره وفرضنا أن لا علم لاحد بشئ من أفعاله أصلا كانت أفعاله صادرة عنه على وجه الاختيار لا محالة لانتفاء ما يدعى منافاته للاختيار فلو فرضنا حينئذ علم عالم بها قبل وقوعها منه لم يتغير حال ذلك الفاعل المختار في الواقع من جهة علم العالم بها بالضرورة وإن فرض استحالة عدم مطابقة علم ذلك العالم للواقع لان مرجعها إلى استحالة انكشاف غير ما يقع من الفاعل باختياره له لا إلى تأثير علمه في وقوع ما يقع منه ليلزم منه اضطراره في الفعل من جهة علمه به وزوال اختياره عنه وإلا لزم مثله في العلم المتأخر مع استحالة تأثير اللاحق في التعليق بل نرى بالضرورة أن حال هذا الفاعل حال تعلق ذلك العلم بأفعاله كحاله حال عدم تعلقه بها في استناد أفعاله إلى اختياره وإن شئت زيادة توضيح لذلك فانظر إلى علمك بترطيب الماء وإحراق النار وإضاءة الشمس فهل تجوز أن لا يكون علمك هذا مطابقا للواقع مع أنك تعلم علما ضروريا بأن علمك بذلك مما لا أثر له في ترتب تلك الآثار عليها فإذا ثبت عدم مدخلية العلم في وقوع ما يتعلق به من الافعال الاضطرارية ثبت عدم مدخليته في وقوع ما يتعلق به من الأفعال الاختيارية لان الجهة جهة واحدة لا يعقل اختلافها باختلاف ما تعلقت به وبهذا البيان يتضح الجواب عما ادعي في البيان الثاني من المنافاة الذاتي بين تعلق العلم بوقوع كل من الفعل والترك وبين وقوع الاخر لأنه إن أريد بالمنافاة الذاتي ما هو الظاهر منه من كونه مانعا من وقوع الاخر ومقتضيا لعدمه فقد عرفت فساده مما مر حيث بينا أن العلم ليس كذلك وأنه لا مدخل له في وقوع المعلوم ولا في عدم نقيضه وإنما مقتضاه بل حقيقته الكشف عن الواقع وإن أريد به مجرد استحالة وقوع نقيض المعلوم ولو لأمر آخر غير العلم كاختيار الفاعل فمتجه إلا أنه لا يدل على نفى الاختيار وبالجملة فالمستحيل هناك أمران الأول وقوع غير ما يقع من الفاعل المختار ومن هذه الاستحالة إلى وجوب الصدور منه من جهة تحقق علته التامة التي من جملتها الاختيار والقدرة وهذا هو الوجوب بالاختيار وقد حققنا في دفع الشبهة الأولى أنه لا ينافي الاختيار بل يحققه الثاني تخلف علم العالم عما علمه ومرجع هذه الاستحالة إلى استحالة علمه بغير الواقع لا إلى سببيته للواقع واستدعائه له وكذا يتضح الجواب عما ذكر في الوجه الأخير من أن القدرة على خلاف ما علمه تعالى قدرة على قلب علمه تعالى جهلا وهو محال وذلك لأنا نلتزم بأن لا قدرة على قلب علمه تعالى جهلا لكن نمنع منافاة ذلك للقدرة على خلاف المعلوم وتوضيحه أنه تعالى لما كان عالما بالأشياء على ما هي عليه في الواقع فلا بد أن يكون علمه بالفعل الاختياري على وجهه من وقوعه عن الفاعل على وجه الاختيار وحينئذ فيرجع الحاصل إلى أنه تعالى عالم بأن الفاعل المختار يفعل كذا حال قدرته على خلاف ما يفعله فإن ذلك معنى اختيارية الفعل له فقدرة الفاعل على خلاف ما علمه تعالى منه ليس قدرة على قلب علمه تعالى جهلا كيف وقد علم بوقوعه منه في هذه